أبي الفرج الأصفهاني
269
الأغاني
فأعجبت الناس وتناشدوها . قال : فحدّثني جابر بن جندل قال : فقال لنا جرير : أعجبتكم هذه الأبيات ؟ قالوا : نعم . قال : كأنكم بابن القين [ 1 ] وقد قال : أعد نظرا يا عبد قيس لعلَّما أضاءت لك النار الحمار [ 2 ] المقيّدا قال : فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق هذا البيت وبعده : حمار بمرّوت السّحامة قاربت وظيفيه حول البيت حتى تردّدا [ 3 ] / كليبيّة لم يجعل اللَّه وجهها كريما ولم يسنح بها الطير أسعدا قال : فتناشدها الناس . فقال الفرزدق : كأنكم بابن المراغة قد قال : وما عبت من نار أضاء وقودها فراسا وبسطام بن قيس [ 4 ] مقيّدا قال فإذا بالبيت قد جاء لجرير ومعه : وأوقدت بالسّيدان نارا ذليلة وأشهدت من سوءات جعثن [ 5 ] مشهدا جرير والأخطل في حضرة عبد الملك بن مروان : أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن آدم بن جشم عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال : وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده ، وقد كانا تهاجيا ولم ير أحد منهما صاحبه ، فلما استأذنوا عليه لجرير أذن له فدخل فسلَّم ثم جلس وقد عرفه الأخطل ، فطمح طرف جرير إلى الأخطل وقد رآه ينظر إليه نظرا شديدا فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا الذي منعت نومك وتهضّمت قومك . فقال له جرير : ذلك أشقى لك كائنا من كنت . ثم أقبل على عبد الملك بن مروان فقال : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ جعلني اللَّه فداءك ! فضحك ثم قال : هذا الأخطل يا أبا حرزة . فردّ عليه بصره ثم قال : فلا حيّاك اللَّه يا بن النصرانية ! أمّا منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك . وأما تهضّمك قومي فكيف تهضّمهم وأنت ممن ضربت عليه الذّلَّة وباء بغضب من اللَّه وأدّى الجزية عن يد وهو صاغر . وكيف تتهضّم لا أمّ لك فيهم / النبوّة والخلافة وأنت لهم عبد مأمور ومحكوم عليه / لا حاكم . ثم أقبل على عبد الملك فقال : ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النّصرانية ؛ فقال : لا يجوز أن يكون ذلك بحضرتي .
--> [ 1 ] ابن القين : لقب كان ينبز به الفرزدق ، وراجع الحاشية رقم 2 ص 45 . [ 2 ] يريد حمارا من حمير بني كليب وذلك أنهم أصحاب حمير ، يهجوهم بذلك ويؤنبه ويضع من قدره ، نسبه إلى رعية الحمير . ( راجع « النقائض » ص 491 ) . [ 3 ] المروت : لبني حمان بن عبد العزي بن كعب بن سعد . والسحامة : ماءة لبني كليب باليمامة . وورد الشطر الأخير من هذا البيت في « النقائض » هكذا : « كليبية قينية حتى ترددا » . والقينان : الوظيفان أو موضع القيد منهما . [ 4 ] يريد فراس بن عبد اللَّه بن عامر بن سلمة بن قشير وكان أسيرا مع بسطام بن قيس بن مسعود ( عن « النقائض » ) . [ 5 ] قال أبو عبيدة : السيدان : موضع . وجعثن : أخت الفرزدق يريد بهذا البيت تعريضا بالفرزدق وبأخته ( « النقائض » ص 482 ) .